نورالدين علي بن أحمد السمهودي

166

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

الجدارين المذكورين تدخل اليد فيه ، وهو قديم أيضا ، وقد سدّه المتقدمون ، ثم اتّسع قليلا على دوام الأيام . فلما كان عشية السبت ثالث عشر شعبان عقدوا مجلسا في جوف المقصورة عند الجدار المذكور ، حضره القضاة والمشايخ والخدام وشيخهم الأمير إينال ، وطلبوني لذلك المجلس ، فترددت في الحضور لما قدمته ، ثم توضأت وصليت صلاة الاستخارة وسألت اللّه أن يلهمني السداد والصواب ، وحضرت فوجدت الأمر قد اتفق عليه ، وشاهدت ما قدمته من وصف ذلك ، ورأيت على ذلك البناء الداخل من الهيبة والأنس ما لا يوصف ولا يدرك إلا بالذوق ، وتحرر لي أن سبب انشقاق الجدار الظاهر انشقاق الجدار الداخل وميلانه نحو الجدار الظاهر وكأن الأقدمين لما رأوا انشقاق الجدار الداخل - ولعل رؤيتهم لذلك واللّه أعلم عقب الحريق عندما أحدثوا السقف المتقدم وصفه على الحجرة الشريفة - أدعموا الجدار الداخل بأخشاب جعلوها بين الجدار الداخل والخارج عند رأسهما في شرقي الحجرة ، فمال الجدار الظاهر من أعلاه بحيث صار أعلاه لا يوازي أسفله ، وخرج بسبب ذلك عن الاستقامة ، فحدث فيه الشق المذكور ، ورأيت الحاضرين بين ساكت ومشير ، فترجح عندي سلوك رأي ابن عباس رضي اللّه عنهما في أمر الكعبة ، حيث أشار بترميمها فقط ، ورأيت أن ما يطلب هنا من الأدب أوجب مما يطلب هناك ، فحاولت إدعام البناء الظاهر ببناء ، فلم أوافق عليه ، فسألت مهندس العمارة - وكان أعرف الحاضرين بهذا الأمر - هل تحققت الآن إشراف هذا الجدار على السقوط وأنه لا يتأتى تأخيره ، أم يحتمل التأخير مدة إذا رمّ بالجص والآجر كما كان أوّلا فيؤخر إلى أن يصير غير محتمل للتأخير ؛ فإنه لا يفعل هنا إلا ما تدعو إليه الضرورة في الحال ؟ فقال : الترميم شيء وقطع الفرط شيء آخر ، ثم سأل متولي العمارة عن كيفية ما يكتب ليطالع به المسامع الشريفة ، فقال له القاضي الزكوي قاضي الشافعية وأحد الناظرين سامحه اللّه تعالى : سرّح العمال غدا للهدم وكتابة المحضر علينا ، وخافت متولي العمارة بالإنكار عليه في إحضاري ، وحثّه على الإعراض عن كلامي . ثم إن متولي العمارة ذكر لي أنه رأى رؤيا فهم منها الهدم ، فصمّم عليه ، ورأيت عنده من شجاعة الجنان وثبات الجأش في هذا الأمر ما لا يوصف ، وبلغني أن بعض الناس ذكر له أن ما سبق من كلامي دليل على ما كان قد ألقاه إليه من حرصي على ألّا تكون هذه العمارة على يده ، وأن لا يفوز بهذه المنقبة العظيمة التي لم يسبق إليها ، ومن يسمع يخل ، ولكني أشهد اللّه ورسوله على أني لم أرد سوى محض الوفاء بما أوجبه اللّه علينا من الأدب مع حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بدل النصيحة . ثم في صبيحة الرابع عشر من شعبان المذكور شرعوا في هدم المحل الشريف المتقدم